محمد أبو زهرة
192
المعجزة الكبرى القرآن
ويسوق الرماني من أمثلة الاستعارة قوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ( 37 ) [ يس : 37 ] ، ويقول الرماني في ذلك ، نسلخ مستعار ، وحقيقته يخرج منها النهار ، والاستعارة أبلغ ، لأن السلخ إخراج الشيء مما لابسه ، وعسر انتزاعه منه لالتصاقه به ، فكذلك لباس الليل . هذا ما قاله الرماني ، ولكي نتصور الاستعارة ، وما تضفيه من معان على الحقيقة المجردة نقول : إن مفردات الراغب الأصفهاني جاء فيها من مادة سلخ ، السلخ نزع جلد الحيوان ، وقال تعالى : نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ أي ننزعه ، ومؤدى هذا الكلام أن المسلوخ المنزوع هو النهار ، وأن الجسم الذي انسلخ منه هو الليل ، ولذلك قال تعالى كنتيجة للسلخ : فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ، أي أن النزع كانت نتيجته أن صار الناس في ليل مظلم ، ويكون معنى الاستعارة أن القرآن الكريم شبه فيه النهار بالنسبة لليل بإهاب من النور أحاط بالليل إحاطة الإهاب بالشاة مثلا ، فلما نزع كان الليل ، والجامع بين السلخ والنزع ، وهو الرفع لشئ ملازم محتك ، ولا شك أن الاستعارة أبلغ كما ذكر الرماني ، ولكن ما وجه البلاغة المفضلة ، نقول فيما نحسب أن الاستعارة تدل على أن الذي أحاط هو النهار ، ونسلخ لا تدل على أن أيهما هو المحيط بالآخر ، ولكن المسلوخ هو النهار ، إن هذا يدل على أن النور بالنسبة للكرة الأرضية عارض من نور الشمس ، ولذلك ذكر اللّه سبحانه وتعالى الشمس فقال : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 38 ) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ( 39 ) . [ يس : 38 ، 39 ] ومن الاستعارات الواردة في القرآن التعبير عن العلم والإيمان بالنور وعن الكفر والعناد بالظلمات مثل قوله في أول سورة إبراهيم : الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ( 1 ) وقد قال في ذلك الرماني : « كل ما جاء ذكره من الظلمات إلى النور ، فهو مستعار ، وحقيقته من الجهل إلى العلم والاستعارة أبلغ ، لما فيه من البيان بالإخراج إلى ما يدرك بالأبصار » . وإن الظلمات ليست الجهل فقط ، بل هي تشمل الجهل والكفر والجحود والعصبية الجاهلية وكل ما يسيطر على الأنفس من غير سلطان من الحق ولا العقل ، ولا الاتجاه إلى الحق في طريق مستقيم لا التواء فيه ، ولذلك عبّر عن الباطل بالظلمات ، لأن له أسبابا متكاثفة بعضها فوق بعض والنور واحد ، وهو الحق وطلبه والإذعان له . وإن الإخراج من الظلمات إلى النور نقول أنه استعارتان ، إن جعلنا الاستعارة في معنى الظلمة ، فاستعير لفظ الظلمة وهي حسية للجهل والكفر وتحكم الهوى والجحود ، لأن هذه يحدث منها ضلال في طلب الحق ، كما يحدث الضلال من السير